إن حرية الإعلام … هي المعيار الذي تقاس به جميع الحريات.
قرار رقم 59 (د-1) الصادر بتاريخ 14 كانون الأول 1946 عن الجمعية
العامة للأمم المتحدة في دورتها الأولى
في إحدى زياراته لمقر تلفزيون فلسطين في غزة، طلب الرئيس محمود عباس من الصحفيين أن ينزلوا إلى الشارع وينقلوا نبضه.. أن يعكسوا التنوع في المجتمع الفلسطيني، ويستضيفوا ممثلي المعارضة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، وأن لا يقدموا أي خبر يتعلق به (الرئيس) كخبر رئيسي أول دون النظر إلى القيمة الإخبارية الحقيقية للخبر.
فاجأت طلبات الرئيس حينها العاملين في التلفزيون الرسمي، وبحيرة من أذهله التناقض في التعليمات أجابه أحدهم: ولكننا نتبع توجيهات عليا يا سيادة الرئيس! وهنا، على ذمة الراوي، استشاط الرئيس غضباً: أي تعليمات عليا وأنا قمة هرم السلطة!
كان ذلك قبل ثلاثة أعوام من الآن.. وما أطولها من أعوام ثلاثة!
عباس الذي فاز بناء على برنامج انتخابي يدعو لمكافحة الفساد والمأسسة والحكم الرشيد، كان قد بدأ برنامجاً إصلاحياً للوزارات ومؤسسات منظمة التحرير والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، بما فيها مؤسسات الإعلام الحكومي وشبه الحكومي. ولكن هذا البرنامج الاصلاحي انتكس بالاستقطاب السياسي الحاد بعد الانتخابات التشريعية والذي قاد بدوره إلى حرب فصائل لم تنته بالانقلاب أو الحسم العسكري في قطاع غزة، بل ما زال الشعب وقضيته ومجالاه السياسي والإعلامي يعانون من التبعات إلى الآن.. وللانصاف، فإن كل هذه العوامل هي غيض من فيض العقبات التي اعترضت برنامج الإصلاح الفلسطيني.
ما يهمنا هنا هو الإشارة التي تباشير التطورات التي كانت مؤسساتنا الإعلامية تعد بها خلال مرحلة تفعيل مشروع الإصلاح الفلسطيني، وأن واقع المؤسسات الإعلامية الفلسطينية الرديء على مدى سنوات كان قد خلق نوعا من (التحجر) المهني والإداري في هذه المؤسسات مثل العقبة الأبرز أمام اصلاح أوضاعها. نشير أيضا إلى أن هذه التباشير تم وأدها بتراجع هذا المشروع. ولعل هذا يكشف ترابط الأداء الإعلامي الحر والمهني والمسؤول بالإصلاح المؤسساتي الواجب.
ما تحاول هذه الورقة تأكيده هو الترابط بين مفهومي حرية الرأي والتعبير والمهنية الصحفية المؤسساتية، التي تتجلى بعلم الإدارة الإعلامية، وهو مشبه غائب في بلادنا وساحتنا الإعلامية.
الإعلام الحر والمهني هو التعبير المجتمعي الأبرز عن حرية الرأي والاعتقاد والتعبير عنهما، وكل ما يساعد الإعلام لكي يكون مهنياً يساعده في الوقت ذاته على أن يكون حراً، فالعلاقة بين المهنية والحرية علاقة مترابطة بشكل وثيق.
والمهنية تعتمد على عدة ركائز: أولها البيئة التشريعية و(الأنظمية) الأخلاقية، وثانيها المستوى المهاري الفردي للصحفيين، وثالثها متانة وجدارة البنية المؤسساتية.
فيما يتعلق بجانب النظام القانوني والأخلاقي للإعلام الفلسطيني، فقد قدمت مؤسسات أهلية شتى مشاريع قوانين ولوائح أخلاقية متعددة ما زالت تنتظر الإقرار التشريعي اللازم. والخلاصة ان تخلف البيئة التشريعية للإعلام في فلسطين ينبغي أن لا يحجب حقيقة الجهد الكبير الذي تقوم به جهات أهلية عدة لتجاوز هذا التخلف.
أما فيما يتعلق بالمستوى المهاري للصحفيين الفلسطينيين، فمن شبه المؤكد أنه عال في المجمل، وعلى الأقل هو مساوٍ للمستوى المهاري في دول كثيرة تتميز بمنتج أعلامي أفضل منا حالاً. من المهم الإشارة هنا إلى الجهود الحثيثة على مدار السنوات الثلاث عشرة الماضية لرفع المستوى المهاري للصحفيين الفلسطينيين من خلال مشاريع كثيرة بل وزائدة عن الحاجة في بعضها.
ولكن الغائب الدائم يظل العمل لتطوير المؤسسات الإعلامية. في بلادنا، تقف المؤسسة الإعلامية البليدة حجر عثرة في وجه تطوير المشهد الإعلامي، ولكن نادراً ما انتبه القائمون على المشهد الإعلامي والساعون لتطويره، على الرغم من افتراضنا حسن النية، لهذه الحقيقة البسيطة.
تستعرض هذه الورقة خارطة المؤسسات الإعلامية الفلسطينية، وتحاول تحليل نقاط ضعفها، ومن ثم تقترح خطة لتجاوز ما هو قائم نحو مؤسسات إعلامية فلسطينية مهنية قادرة على الاستقلال الاقتصادي _الذي هو شرط للاستقلال في الرأي_ وحرة وفاعلة في إطار المجتمع المدني الذي من المفترض أن تلعب فيه دوراً محورياً.
الخارطة الإعلامية الفلسطينية: إزدحام في المنتج وتشتت في الاستهلاك
يمكن تصنيف الساحة الاعلامية الفلسطينية على أنها سوق تتسم بالازدحام والتشتت، على الرغم من كون الفلسطينيين من اكثر شعوب المنطقة استهلاكا للمنتج الاعلامي .
تصدر في فلسطين أربع صحف يومية باللغة العربية، بالاضافة إلى أكثر من 70 محطة تلفزيونية وإذاعية محلية، ووكالتي أنباء على الأقل، والعديد من المجلات غير المنتظمة. علاوة على الإذاعة والتلفزيون الرسميين ومحطتين فضائيتين خاصتين.
الإعلام المقروء
تصدر في الضفة الغربية 3 صحف يومية هي: القدس، الأيام، والحياة الجديدة، بالإضافة إلى صحيفة فلسطين الصادرة في قطاع غزة، والمقربة من حركة حماس.
1-القدس: نجحت في استمرار الصدور منذ أكثر من نصف قرن بلا توقف، حيث نجحت في التأقلم مع الظروف السياسية شديدة التغير والحساسية، فهي تمتلك علاقات جيدة مع نظام الحكم في الأردن ومع متنفذين في السلطة الفلسطينية، ولا تعادي بشكل واضح، كغيرها من الصحف، الاحتلال الاسرائيلي . توزع القدس حسب ناشريها حوالي 40 الف نسخة إلا أن المطلعين على خفايا الصحافة الفلسطينية يشككون بالرقم ويقولون إن مستوى توزيعها لا يتجاوز سقف الـ 20 الف نسخة.ومع ذلك تظل أكثر الصحف الفلسطينية توزيعا وهي تعتمد بشكل أساسي على الإعلان الذي يشكل في بعض أعدادها ما يتجاوز الـ 50% من حجم الصحيفة.
القدس مملوكة لعائلة ابو الزلف المتنفذة، ويشكك الأكاديميون عادة بمستواها ويؤكدون أنها تدار بشكل عائلي بهدف الربح البحت. بقي أن نشير إلى أن القدس مقروءة بشكل أساسي من فئة كبار السن وتوزع بكثرة في منطقة وسط الضفة الغربية (القدس، رام الله، بيت لحم) إضافة إلى أنها توزع في الاردن.
2-الأيام: بدأت في الصدورمع تأسيس السلطة الفلسطينية في منتصف التسعينيات وهي ليبرالية التوجه وهي مقروءة اساسا من المثقفين والمتعلمين وقطاع الشباب. توزع الايام بشكل كثيف في مدينة رام الله (مركز العمل المؤسساتي الفلسطيني)، ويقول ناشروها إنها توزع 25 الف نسخة في كافة المحافظات، فيما يقدر المتخصصون عدد النسخ الموزعة بـ15ألف نسخة كحد أقصى.
تمتلك الأيام شبكة جيدة من المراسلين ويعمل فيها نخبة من المحررين كما أنها تستقطب بعض أفضل الأقلام الصحفية. بقي أن نشير إلى أن الأيام تصدر عن شركة الأيام للطباعة والنشر والتوزيع وهي مملوكة بشكل جزئي لآل المصري (الذين يمتلكون استثمارات كبيرة في قطاعات الاتصالات والخدمات والانشاءات في فلسطين والمنطقة العربية). رئيس تحرير الصحيفة هو أكرم هنية وهومستشار سابق للرئيس الراحل ياسر عرفات وهو مقرب بشكل كبير من الرئيس الحالي محمود عباس.
يشكل بدل طباعة وتوزيع الملاحق دخلا كبيرا للأيام (توزع حوالي 21 ملحقا صحفيا، بحجم نصفي غالبا، وبتمويل ورعاية مؤسسات عمل أهلي ممولة من الدول المانحة في قضايا التنمية والمرأة والشباب والحكم الرشيد وغيرها) كما تدر مطبعة الأيام وهي عالية التقنية دخلا عاليا بدل طباعة الكتب المدرسية (ملايين النسخ سنويا) وغيرها من الكتب والاصدارات.
3- الحياة الجديدة: صحيفة ممولة حكوميا بشكل جزئي، توزع حوالي 10 الاف نسخة حسب الناشرين، وأقل من 7 آلاف حسب الخبراء، وهي الأرخص ثمنا، وتتميز بالمقالات الناقدة والجريئة، وتوزع بشكل أساسي على الوزارات والمؤسسات الحكومية، كما أنها تلقى رواجا ملحوظا في المناطق الأفقر (قطاع غزة ومحافظة الخليل، وجنين). تعاني من مشاكل في الطباعة وأخرى فنية وإدارية. تأسست كـالأيام في منتصف التسعينيات على يدي نبيل عمرو (حاليا يعمل كسفير لفلسطين في مصر) وحافظ البرغوثي (صحفي بنى خبرته خلال العمل لسنوات في صحف خليجية). يوجد في الصحيفة العديد من الصحفيين المتميزين والذين يعملون لدى صحف ومجلات ووكالات انباء عربية، بل أن عددا كبيرا من المراسلين والمحررين الذين يعملون حاليا في صحيفة الأيام عملوا في وقت سابق فيالحياة الجديدة حيث انتقلوا للعمل في الأيام بسبب الظروف الادارية والمهنية الأفضل. تمر الصحيفة بمرحلة انتقالية صعبة حيث تمر بأزمة مالية خانقة، والصحيفة تتجه نحو الخصخصة وينوي صندوق الاستثمار الفلسطيني شراء نسبة معينة من الاسهم فيما يدور الحديث عن دخول شريك استراتيجي على الخط. تطبع عدد من الملاحق في الحياة الجديدة ولكن بنسبة أقل من الأيام.
4- فلسطين: هي الصحيفة اليومية الأولى التي تصدر من قطاع غزة، وهي ممنوعة من التوزيع في الضفة الغربية منذ الحسم العسكري (الانقلاب) الذي قامت به حركة حماس، ويمكن وصفها باختصار أنها صحيفة حزبية تعبر عن مواقف حماس. ما يميزها أنها صحيفة جديدة على المشهد الإعلامي، فهي لم تتجاوز العامين من عمرها، كما أنها الصحيفة الفلسطينية الأولىالتي تصدر بالحجم النصفي.
5- المجلات: تتميز المجلات في فلسطين بغياب التخطيط الاستراتيجي، فلا تنجح في استمرار الصدور لأكثر من عشرة أعداد في الغالب، على الرغم من أن الخبراء يؤكدون أن السوق متعطشة لمجلة اجتماعية رصينة مخطط لها جيدا.
أهم المجلات هي الديمقراطي وهي سياسية أسبوعية يرأس تحريرها سياسي سابق، وبدأت في الصدور في 2006، والزاوية الاقتصادية وبدأت أيضا في 2006، وهي اقتصادية وسياسية، و”Palestine this week” وهي انجليزية وتوزع في الفنادق والمطاعم والمناطق السياحية، وتختص بشكل أساسي في نشر المقالات والتوعية بقضايا السياحة في فلسطين، وكذلك تصدر في مدينة القدس مجلة فوستا وهي مجلة إثارة، وهناك مجلات متخصصة في قضايا المرأة والشؤون المنزلية مثل بيتنا وغيرها.
المجلات الفلسطينية تعاني من نقص التمويل في الغالب، على رغم من كونها هادفة للربح، وتفتقر للتميز، وبقي أن نشير إلى أن بعضها يصدر عن جمعيات ومؤسسات أهلية وحتى أحزاب سياسية (إسلامية في الغالب)، وإن أعلنت غير ذلك.
6-صحف حزبية: يوجد في السوق عدة صحف حزبية معظمها اسبوعية مثل صحيفة الرسالة المحسوبة على حركة حماس.كما أن المبادرة الوطنية التي يرئسها د. مصطفى البرغوثي، وهي اقرب ما يكون حزب يساري ديمقراطي، بصدد اصدار صحيفة يومية، حسب بعض المصادر.
ملاحظات على الإعلام الفلسطيني المطبوع
*يفتقر سوق الإعلام المطبوع لاحصا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ